صديق الحسيني القنوجي البخاري
146
فتح البيان في مقاصد القرآن
شدة القسوة وتقرير لقوله : أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً انتهى ، وفيه أن مجيء البيان بالواو غير معروف ولا مألوف والأولى جعل ما بعد الواو تذييلا أو حالا لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ قيل أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ليسقي الأسباط ، والتفجر التفتح بالسعة والكثرة وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ يعني العيون الصغار التي هي دون الأنهار ، التفجر التفتح والشق واحد الشقوق وهو يكون بالطول أو بالعرض بخلاف الانفجار فهو الانفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق ، والمراد أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار والانشقاق . وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أي أن من الحجارة لما ينحط من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية التي تداخله وتحل به ، وقيل إن الهبوط مجاز عن الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقيادا للّه عز وجل ، فهو مثل قوله : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [ الحشر : 21 ] واختاره ابن عطية ، وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار ، وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله : وَإِنَّ مِنْها راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة وهو فاسد فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق والتأثير للمواعظ إلى مكان لا تبلغ إليه الحجارة التي هي أشد الأجسام صلابة وأعظمها صلادة ، فإنها ترجع إلى نوع من اللين وهو تفجرها بالماء وتشققها عنه ، وقبولها لما توجبه الخشية للّه من الخشوع والانقياد بخلاف تلك القلوب . وفي قوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى ، فإن اللّه عز وجل إذا كان عالما بما يعملونه مطلعا عليه ، غير غافل عنه ، كان لمجازاتهم بالمرصاد . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 75 ] أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) أَ فَتَطْمَعُونَ الهمزة للاستفهام وتدخل على ثلاثة من حروف العطف الفاء كما هنا والواو كقوله الآتي أَ وَلا يَعْلَمُونَ وثم كقوله : أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ واختلف في مثل هذه التراكيب فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدمة من تأخير لأن لها الصدر ، والتقدير فأتطمعون وألا يعلمون وثم أإذا . وذهب الزمخشري إلى أنها داخلة على محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير هنا أتسمعون أخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ مع أنهم لم يؤمنوا بموسى ، هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار كأنه أيسها من إيمان هذه الفرقة من اليهود ، والخطاب لأصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، أو